{إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ}
قرأت في كتاب إكسير من خلاصة أعمال مدارج السالكين لابن القيم رحمه الله
اشتمال الفاتحة على الشفاءين شفاء القلوب ،وشفاء الأبدان فأمّا اشتمالها على شفاء القلوب : فإنها اشتملت عليه أتم اشتمال، فان مدار اعتلال القلوب وأستقامها على أصلين :فساد العلم ،وفساد القصد
ويترتب عليهما داءان قاتلان، وهما الضلالُ والغضب ؛فالضلال نتيجةُ فساد العلم ، والغضب نتيجة فساد القصد ، وهذان المرضان هما املاكُ أمراض القلوب جميعها
سِرُّ الخَلْقِ والأمر، والكتب و الشرائع ،والثواب والعقاب،، انتهى إلى هاتين الكلمتين،و عليهما مدارُ العبودية و التوحيد حتى قيل : أنزل الله ماية كتاب و أربعة كتب، جمع معانيها في التوراة والإنجيل والقرآن،وجمع معاني هذه الكتب الثلاثة في القران، وجمع معاني القرآن في المفصل ، وجمع معاني المفصل في الفاتحة، ومعاني الفاتحة في {إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ} وهما الكلمتان المقسومتان بين الرب و بين عبده نصفين ، فنصفها له تعالى وهو {إِيَّاكَ نَعْبُدُ }ونصفها لعبده ، وهو {وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ}
والعبادة تجمع أصلين: غاية الحب بغاية الذُّلِّ و الخضوع ، والعرب تقول :طريق مُعَبَّد ، أي مُذَلَّل،و التعبد : التَّذَلُّل، و الخضوع ، فمن أحببته و لم تكن خاضعاّ له لم تكن عابداّ له ، ومن خضعت له بلا محبةٍ لم تكن عابداّ له ، حتى تكون مُحِبََّا خاضعاً
والاستعانة تجمع أصلين : الثقة بالله، و الإعتماد عليه؛ فان العبد قد يَثِقُ بالواحد من الناس ولا يعتمد عليه في أموره مع ثقته به؛ لاستغنائه عنه، و قد يعتمد عليه مع عدم ثقته يه ؛ لحاجته إليه ، و لعدم من يقوم مقامه،فيحتاج إلى اعتماده عليه ، مع انه غير واثق
و التوكل معنى يلتئم من أصلين: من الثقة، والإعتماد وهو حقيقة { وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ} و تقديم العبادة على الاستعانه في الفاتحة من باب تقديم الغايات على الوسائل؛
اذ العبادة غايةُ العباد التي خُلفوا لها ، و الاستعانة وسيلةٌ إليها
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله:( تأملت أنفع الدعاء فإذا هو في سؤال الله العون على مرضاته، ثم رأيته في الفاتحة في قوله {إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ}
ولو احسن العبد التداوي بالفاتحة لرأى لها تأثيراّ عجيباّ في الشفاء
قال ابن القيم مكثت بمكة مدة تعتريني أدواء ولا اجد طبيباّ و لا دواء، فكنت أعالج نفسي بالفاتحة فأرى لها تأثيراّ عجيباّ ،فكنت اصف ذلك لمن يشتكي ألماّ ، فكان كثيراّ منهم يبرأ سريعاّ
لكن هنا امر ينبغي التفطن له: وهو ان الأذكار و الايات و الادعية التي يُستشفى بها و يُرقى بها ، هي في نفسها نافعة شافية ، ولكن يستدعي قبول المحل، وقوة همة الفاعل و تأثيرة فمتى تخلف الشفاء كان لضعف تأثير الفاعل ،أو لعدم قبول المنفعل ، أو المانع قوي فيه يمنع ان ينجح الدواء
واخيراً
ويؤخذ من كلام ابن القيّم أنّ النّاس بحسب العبادة والاستعانة أربعة أقسام: القسم الأوّل: أهل العبادة والاستعانة بالله عليها، وهذا أجلّ الأقسام وأفضلها. القسم الثّاني: أهل الإعراض عن العبادة والاستعانة به في مرضاته إن سأله أحدهم واستعان به، فعلى حظوظه وشهواته، لا على مرضاة ربّه وحقوقه. وهؤلاء هم شرّ البريّة. القسم الثّالث: من له نوع عبادة بلا استعانة أو باستعانة ناقصة وهؤلاء صنفان: القدريّة القائلون بأنّ الله قد فعل بالعبد جميع مقدوره من الألطاف وأنّه لم يبق في مقدوره إعانة له على الفعل، إذ قد أعانه بخلق الآلآت وسلامتها وتعريف الطّريق وإرسال الرّسل وتمكينه من الفعل، ولم يبق بعد هذا إعانة مقدورة يسأله إيّاها.
ومن لهم عبادات وأوراد، ولكن حظّهم ناقص من التّوكّل والاستعانة فهؤلاء لهم نصيب من التّوفيق والنّفوذ والتّأثير بحسب استعانتهم وتوكّلهم، ولهم من الخذلان والضّعف والمهانة والعجز بحسب قلّة استعانتهم وتوكّلهم، ولو توكّل العبد على الله حقّ توكّله (واستعان به حقّ استعانته) في إزالة جبل عن مكانه وكان مأمورا بإزالته لأزاله.
القسم الرّابع: هم أولئك الّذين يشهدون تفرّد الله بالنّفع والضّرّ، وأنّه ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن، ولم يدر مع ما يحبّه ويرضاه، ومع ذلك توكّل عليه واستعان به على حظوظه وشهواته وأغراضه، فقضيت له وأسعف بها سواء أكانت مالا أو جاها عند الخلق، هؤلاء لا عاقبة لهم ولا يعدو ما أعطوه أن يكون من جنس الملك الظّاهر والأموال الّتي لا تستلزم الإسلام فضلا عن الولاية والقرب من الله تعالى.



