التوبة
تكلم ابن القيم رحمه الله في كتابه مدارج السالكين عن منزله التوبة، فقال إذا صح له هذا المقام و نزل في هذه المنزلة، أشرف منها على مقام التوبة لأنه بالمحاسبة قد تميز عنده ماله مما عليه، فليُجمعْ على التشمير إليه، والنزول فيه إلى الممات
و منزلُ التوبة أولُ المنازل و أوسطها، وآخرها، فلا يفارقه العبدُ السالكُ، ولا يزال فيه إلى الممات ، وان ارتحل إلى منزلٍ آخر ارتحل به، و استصحبه معه، ونزل به معه
فالتوبة هي بداية العبد و نهايته، وحاجته إليها في النهاية ضرورية، كما ان حاجته إليها في البداية كذلك ، وقد قال سبحانه وتعالى:(وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَ الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٣١) [النّور: ٣١]
وهذه الآية في سورة مدينة ، خاطب الله بها أهل الإيمان وخيار خلقه أن يتوبوا إليه، بعد إيمانهم و صبرهم و هجرتهم وجهادهم ، ثم علق الفلاح بالتوبة تعليق المسبب بسببه، وأتى بأداة (لعل) المشعرة بالترجي ؛إيذاناّ بأنكم إذا تُبتم كنتم على رجاء الفلاح فلا يرجوا الفلاح إلا التائبون، جعلنا الله وإياكم منهم
ولما كانت التوبة هي رجوع العبد إلى الله ، و مفارقته لصراط المغضوب عليهم و الضآلين و ذلك لا يحصل إلا بهداية الله تعالى له إلى الصراط المستقيم ولا تحصل الهداية إلا بطاعتة و توحيده
فحقيقة التوبة:الندم على ما سلف منه في الماضي ، والاقلاع عنه في الحال و العزم على أن لا يُعاودَه في المستقبل، لا ريب ان الخوف الشديد من العقوبة العظيمة يُوجب انصداع القلب و انخلاعه، وهذا هو تقطعه،وهذا هو حقيقة التوبة؛ لأنه يتقطع قلبه حسرة على ما فرط منه ، و خوفاً من سوء عاقبته، فمن لم يتقطع قلبه في الدنيا على ما فرط فيها حسرة و خوفاّ ؛ تقطع في الآخرة إذا حقت الحقائق، و عاين ثواب المطيعين، وعقاب العاصين فلا بد من تقطع القلب إما في الدنيا و إما في الآخرة
ما احلى لذه الانكسار بين يدي ربك و الإنابة إليه والاعتراف بذنبك ( أسألك بعزك و ذُلِّي لك إلا ترحمني ، أسألك بقوتك و ضعفي ، و بغناك عني و فقري إليك ، هذه ناصيتي الكاذبة الخاطئة بين يديك، عبيدك سواي كثير ، وليس لي سيِّدٌ سواك ، لا ملجأ ولا منجى منك إلا إليك أسألك مسألة المسكين، وأبتهل إليك إبتهال الخاضع الذَّليل ،و أدعوك دُعاء الخائف الضرير، سؤال من خضعت لك رقبته، ورغم لك أنفه ، وفاضت لك عيناه، و ذَلَّ لك قلبه)
يَا مَنْ أَلُوذُ بِهِ فِيمَا أُؤَمِّلُهُ
وَمَنْ أَعُوذُ بِهِ مِمَّا أُحَاذِرُهُ
لَا يَجْبُرُ النَّاسُ عَظْمًا أَنْتَ كَاسِرُهُ
وَلَا يَهِيطُونَ عَظْمًا أَنْتَ جَابِرُهُ
وقد أبدع فيه المتنبي في وصف الالتجاء إلى الله وطلب العون منه. حتى إن شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله- كان يستحسن معناه في الخضوع والذل لله، وكان يُنكر على المتنبي مبالغته إذا وُجهت لغير الله، وكان يدعو بهذين البيتين أحياناً في سجوده.
و ما أصعب التوبة الصحيحة بالحقيقة، و ما أسهلها باللسان و الدعوى! و ما عالج الصادق شيئاّ أشقّ عليه من التوبة الصادقة الخالصة، فلا حول ولا قوة إلا بالله.
وفي الصحيحين من حديث أنس بن مالك رضي الله عنه قال؛ فال رسول الله ﷺ :
( لَلَّهُ أشَدُّ فرَحًا بتَوبةِ عَبدِه حينَ يَتوبُ إليه، مِن أحَدِكُم كان على راحِلَتِه بأرضِ فَلاةٍ، فانفَلَتَت منه وعليها طَعامُه وشَرابُه، فأيِسَ منها، فأتى شَجَرةً، فاضطَجَعَ في ظِلِّها، قد أيِسَ مِن راحِلَتِه، فبينا هو كَذلك إذا هو بها قائِمةً عِندَه، فأخَذَ بخِطامِها، ثُمَّ قال مِن شِدَّةِ الفَرَحِ: اللَّهمَّ أنتَ عَبدي وأنا رَبُّكَ، أخطَأ مِن شِدَّةِ الفَرَحِ.)
خلاصة حكم المحدث : [صحيح]
و القصد هنا أن هذا الفرح له شأنٌ لا ينبغي للعبد إهماله و الإعراض عنه، ولا يطلع عليه إلا من له معرفة خاصةٌ بالله و أسمائه وصفاته، و ما يليق بعز جلالة
الله عز وجل هو الذي أوجد عبده ، و خلقه و كونه و أسبغ عليه نِعمه ، و هو يُحب أن يتمها عليه، فيصير مُظهراّ لنعمه ، قابلاّ لها ، شاكراّ لها ، محباّ لوليها ، مطيعاّ له عابداّ له ،معادياّ لعدوه ، مبغضاّ له عاصياّ له ، والله تعالى يحب من عبده معاداة عدوه ،و معصيته و مخالفته، كما يحب أن يواليه سبحانه و يطيعه و معصيته و مخالفته فتشتدُّ المحبه من سبحانه مع حصول محبوبه وهذا هو حقيقة الفرح
أما عن النفس
فقد وصف الجهل، والعمل الصالح الذي يُخْرِجها به عن وَصْف الظُّلم، ومع
هذا فجهلُها أكثر من عِلَّمها، وظُلمها أعظم من عَدْها.
فحقيقٌ بِمَن هذا شأنُه أن يرغب إلى خالقها وفاطرها أن يَقِيَه شَرَّها، وان يؤتيها تقواها ويُزَكِّيَها، فهو خيرُ مَن زَكَّاها، فإنه وليُّها ومَولاها، وأن لا يَكِلَه إليها طرفةً عينِ، فإِنَّه إن وَكَلَه إليها هلك، فما هلك مَن هلك إلا حيث وَكَلَ إلى نفسٍ، وقال النبي وَّد لحُصَيْنِ بن [عبيد] : «قُلِ: اللهمَّ ألهمني رشدي
وقِنِي شَرَّ نَفْسي)))، فمَن عرَف حقيقة نفسه وما طُبِعَت عليه عَلِمَ أنها منبعِ كل شرٍّ، وماوى كلِّ سوء، وأنَّ كل خير فيها ففضلٌ مِن اللّٰه مَنَّ به عليها، م يكن منها، كما قال تعالى: (وَلَوْلَا فَضْلُ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَازَكَىَ مِنكُم مِنْ أَحَدٍ أَبدا
[النور: ٢١].
ومنها: أنَّ مَن له بصيرةٌ بنفسه، وبصيرةٌ بحقوق اللّٰه تعالى، وهو صادقٌ في طَلَبِه، لم يُبْقٍ له نظرُه في سيئاته حسنةَ البتَّة، فلا يَلْقَى اللّٰه تعالى إلا بالإفلاس الَمَحْض، والفقرِ الصِّرْفِ؛ لأنَّه إذا فتَّش عن عيوب نفسه وعيوبِ عمله عَلِم أنَّها لا تصلح لله، وأنَّ تلك البضاعة لا تُشْتَرَى بها النجاةُ مِن عِذَابَه، فضلًا عن الفوز بعظيم ثوابه، فإن خَلَصَ له عملٌ وحالٌ مع الله، وصَفَا له معه وقتٌ؛ شاهَد مِنَّةَ الله عليه به، ومجرَّد فضلِه، وأنَّه ليس من نفسه، ولا هي أهلٌ لذلك، فهو دائمًا مُشاهِدٌ لمنَّةِ اللّه عليه، ولعيوب نفْسه وعملِه؛ لأنَّه متى تَطَلَّبها رآها، وهذا من أجَلِّ أنواع المعارف وأنفعِها للعبد، ولذلك كان سيِّد الاستغفار:
«اللَّهُمَّ أَنْتَ رَبِّي لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ، خَلَقْتَنِي وَأَنَا عَبْدُكَ، وَأَنَا عَلَى عَهْدِكَ وَوَعْدِكَ مَا اسْتَطَعْتُ، أَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّ مَا صَنَعْتُ، أَبُوءُ لَكَ بِنِعْمَتِكَ عَلَيَّ، وَأَبُوءُ لَكَ بِذَنْبِي فَاغْفِرْ لِي، فَإِنَّهُ لَا يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا أَنْتَ».
فتضمن هذا الاستغفار الاعتراف من العبد بربوبيته ، وإلهيته و توحيده و الإعتراف بأنه خالفه ، العالم به إذ أنشأه نشأة تستلزم عجزه عن أداء حقه و تقصيره فيه ؛ والاعتراف بأنه عبده الذي ناصيته بيده في قبضته ولا مهرب له منه ولا إلا لله سواه
تتضمن التوبة النصوح الأركان التالية:
الإقلاع عن الذنب: ترك المعصية والتوقف عن ارتكابها فوراً.
الندم على ما فات: الشعور بالحزن والأسف على ارتكاب الذنب والتقصير في حق الله.
العزم على عدم العودة: اتخاذ قرار صادق وجازم بعدم الرجوع إلى تلك المعصية في المستقبل.
ردّ المظالم (إن وُجدت): إذا كان الذنب يتضمن التعدي على حقوق الآخرين (مال، عرض، أو نفس)، فيجب التحلل منهم وإرجاع الحقوق لأصحابها أو طلب العفو والسماح.
شروط إضافية لقبول التوبة:
أن تكون في وقت القبول، أي قبل أن تبلغ الروح الحلقوم (الموت) وقبل طلوع الشمس من مغربها
ما زالت أبواب التوبة مفتوحة فسارعوا إلى التوبة النصوح و الاستغفار من الذنب سواءّ كان من الصغائر أم من الكبائر لا تدري متى ستموت و متى ستقام الساعه فاللهم تب علينا اجمعين
ما كان من صواب فمن الله وحده و ما كان من خطأ ف من نفسي ومن الشيطان سبحانك اللهم و بحمدك أشهد أن لاإله إلا أنت أستغفرك وأتوب إليك




