الصلاة أولاً
ثم أطلب من الله ما شئت،
وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ (٤٥) [البقرة: ٤٥]
وإنما لم تثقل عليهم ؛ لأنهم عارفون بما يحصل لهم فيها ، متوقعون ما ادخر من ثوابها ، فتهون عليهم ، ولذلك قيل : من عرف ما يطلب هان عليه ما يبذل ، و من أيقن بالخلف جاد بالعطية ،
الألوسي :1/249
لماذا الصلاة أولاً ؟
الصلاة هي عماد الدين وأول ما يُحاسب عليه العبد يوم القيامة. إنها الرابط الوثيق بين العبد وربه، تمنح النفس الطمأنينة، وتغسل الذنوب، وتنهى عن الفحشاء والمنكر، مما يجعلها مصدرًا أساسيًا للسلام الداخلي والاستقرار النفسي والروحي في مواجهة أعباء الحياه
تتجلى أهمية الصلاة في جوانب حياتنا اليومية والروحية من خلال عدة محاور أساسية:
الارتقاء الروحي والأخلاقي:
تُعد الصلاة محطة يومية للوقوف بين يدي الله، مما يعزز مراقبته في السر والعلن. وقد وصفها الله تعالى بأنها رادع قوي ضد المعاصي في قوله: ﴿ إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَىٰ عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ ﴾.الطمأنينة وتفريغ الضغوط:
الوقوف في الصلاة بتركيز وخشوع يُشكل استراحة ذهنية من مشاغل الحياة والعمل، مما يساعد في التخلص من القلق والتوتر، ويزيد من الثقة بالله واليقين بحسن تدبيره.النظام والانضباط:
أداء الصلاة في أوقاتها المحددة (﴿ كِتَاباً مَّوْقُوتاً ﴾) يعلم المسلم إدارة الوقت، والالتزام، والدقة في تنظيم مسار حياته اليومية.الفوائد الصحية والنفسية:
أثبتت الدراسات أن الحركات البدنية في الصلاة (من قيام، وركوع، وسجود) تعزز مرونة المفاصل، بينما يمنح الخشوع الدماغ فترات من التأمل الهادئ الذي يحسن الصحة النفسية.الفلاح والنجاح:
المحافظة عليها هي مفتاح التوفيق والنجاح الدنيوي والأخروي، ومقياس لصلاح سائر الأعمال الأخرى
لقد جعل الله -تعالى- للصلاة قدراً عظيماً، ومنزلةً رفيعةً، وممّا يدلّ على ذلك فرض الله -تعالى- الصلاة على نبيه -صلّى الله عليه وسلّم- في السماء، يوم الإسراء والمعراج، وقد تواترت الأدلة على أهمية الصلاة في الكثير من آيات القرآن الكريم، وأحاديث الرسول صلّى الله عليه وسلّم، بالإضافة إلى أنّها عمود الدين المتين، والصلة بين العبد وربه، وركنٌ من أركان الإسلام.
تعريف الصلاة
هي عبادة ربانية والركن الثاني من أركان الإسلام وهي فرض عينٍ على كل مسلمٍ بالغٍ عاقلٍ متطهّرٍ، وتعني التقرب إلى الله بأقوالٍ وأفعالٍ محدّدةٍ وفي أقاتٍ محدّدةٍ أيضاً وِفق ما جاء في القرآن الكريم وشرحه النبي الكريم في سنته المُطَّهرة.
والصلاة تُوجِب على المسلم الطهارة في الجسد والثوب، ودخول الوقت للصلاة واستحضار النيّة، واللّباس الساتر للعورة للرجل والمرأة؛ فالرجل عورته في الصلاة ما بين السُّرة والركبة والمرأة كلّ جسدها عورة ما عدا وجهها وكفيها، واستقبال القبلة والوقوف بين يديَّ الله في خشوع وأداء الصلاة في طمأنينة وسَكينةٍ.
أهمية الصلاة
الصلاة الباب الذي ينقل الإنسان من الكفر إلى الإيمان فقد قال صلى الله عليه وسلم :"العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة فمن تركها فقد كفر .
والتقرّب إلى الله بأقوالٍ وأفعالٍ هو من أمر بها وبذلك يتحقّق الغاية من خلق الجن والإنس وهي عبادة الله والخضوع بين يديه فالصلاة هي التي تحقق هذه الغاية.
والصلاة موطن نزول الرحمة واستجابة الدعاء فهي تشتمل على مواضع مستجابةً للدعاء فالعبد أقرب ما يكون لله وهو ساجدٌ وكذلك الدعاء عند الرفع ما بين السجدتين.
والصلاة تزيد من الطمأنينة والثقة بالله وحسن الظنّ به فهو قريب من ربه في ركوعه وسجوده، وبالتالي تقف الصلاة حائلاً بين المرء وشهواته وارتكاب الذنوب والمعاصي قال تعالى:" إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر".
وقد ذكر ابن القيم رحمه الله الصلاة وقال فيها ،أن الصلاة التي تقر بها العين ، ويستريح بها القلب تجمع سته مشاهد ،
المشهد الأول: الإخلاص؛ وهو أن يكون الحامل عليها والداعي إليها رغبة العبد في الله، ومحبته له، وطلب مرضاته، والقرب منه، والتودد إليه، وامتثال أمره، وخوفًا من عقابه، ورجاءً لمغفرته وثوابه.
المشهد الثاني: مشهد الصدق والنصح؛ وهو أن يفرغ قلبه لله فيها، ويستفرغ جهده في إقباله فيها على الله، وجمع قلبه عليها، وإيقاعها على أحسن الوجوه ظاهرًا وباطنًا.
المشهد الثالث: مشهد المتابعة والاقتداء؛ وهو أن يحرص كل الحرص على الاقتداء في صلاته بالنبي صلى الله عليه وسلم، ويصلي كما كان يصلي.
المشهد الرابع: مشهد الإحسان؛ أن يعبد الله كأنه يراه، وهو أصل أعمال القلب كلها، فإنه يوجب الحياء، والإجلال، والتعظيم، والخشية، والمحبة، والإنابة، والتوكل، والخضوع لله سبحانه، والذل له، ويقطع الوساوس وحديث النفس، ويجمع القلب والهم على الله.
المشهد الخامس: مشهد المنة؛ وهو أن يشهد أن المنة لله سبحانه، كونه أقامه في هذا المقام وأهله له، ووفَّقه لقيام قلبه وبدنه في خدمته، فلولا الله سبحانه لم يكن شيء من ذلك، وهذا المشهد من أعظم المشاهد وأنفعها للعبد، وكلما كان العبد أعظم توحيدًا، كان حظه من هذا المشهد أتم، وفيه من الفوائد أنه يحول بين القلب وبين العجب بالعمل ورؤيته، ومن فوائد أنه يضيف الحمد إلى وليِّه ومستحقه، فلا يشهد لنفسه حمدًا؛ بل يشهده كله لله.
المشهد السادس: مشهد التقصير؛ وهو أن العبد لو اجتهد في القيام بالأمر غاية الاجتهاد، وبذل وسعه فهو مقصِّر، وحقُّ الله سبحانه عليه أعظم.
وإذا شهد العبد من نفسه أنه لم يوفِّ ربه في عبوديته حقه، ولا قريبًا من حقه، علِم تقصيره، ولم يَسعه مع ذلك غير الاستغفار والاعتذار من تقصيره وتفريطه، وعدم القيام بما ينبغي له من حقه
الصلاة قرة عين المحبين ولذة أرواح الموحدين:
لا ريب أن الصلاة قرة عين المحبين، ولذة أرواح الموحدين، ومحكُّ أحوال الصادقين، وميزان أحوال السالكين، وهي رحمته المهداة إلى عبيده، هداهم إليها، وعرفهم بها؛ رحمةً بهم، وإكرامًا لهم؛ لينالوا بها شرف كرامته، والفوز بقربه، لا حاجة منه إليهم؛ بل منَّة منه وفضلًا منه عليهم، وتعبد بها القلب والجوارح جميعًا، وجعل حظ القلب منها أكمل الحظين وأعظمهما، وهو إقباله على ربه سبحانه، وفرحه وتلذذه بقربه، وتنعمه بحبه، وابتهاجه بالقيام بين يديه، وانصرافه حال القيام بالعبودية عن الالتفات إلى غير معبوده، وتكميل حقوق عبوديته حتى تقع على الوجه الذي يرضاه.
تكرير الأفعال والأقوال في ركعات الصلاة غذاءً للقلب والروح:
شرع تكرير هذه الأفعال والأقوال؛ إذ هي غذاء القلب والروح، التي لا قوام لهما إلا بها، فكان تكريرها بمنزلة تكرير الأكل حتى يشبع، والشرب حتى يروى؛ ولهذا قال بعض السلف: مثل الذي يصلي ولا يطمئن في صلاته كمثل الجائع، إذا قُدِّم إليه طعام، فتناول منه لقمة أو لقمتين، ماذا تغني عنه؟!
سرّ الصلاة ولبها:
سر الصلاة ولبُّها هو إقبالُ العبد على الله بكليته، فكما أنه لا ينبغي له أن يصرف وجهه عن قبلة يمينًا وشمالًا، فكذلك لا ينبغي له أن يصرف قلبه عن ربه إلى غيره.
وللإقبال في الصلاة ثلاث منازل: إقبال على قلبه، فيحفظه من الوساوس والخطرات المبطلة لثواب صلاته أو المُنقِصة له، وإقبال على الله بمراقبته حتى كأنه يراه، وإقبال على معاني كلامه، وتفاصيل عبودية الصلاة ليعطيها حقها؛ فباستكمال هذه المراتب الثلاث تكون إقامة الصلاة حقًّا.
قرة العين بالصلاة:
لم يقل النبي صلى الله عليه وسلم: جُعِلت قرة عيني في الصوم، ولا في الحج والعمرة؛ وإنما قال: ((جُعِلت قرة عيني في الصلاة))، وتأمل قوله: ((جُعِلت قرة عيني في الصلاة)) ولم يقل: بالصلاة؛ إعلامًا بأن عينه إنما تقر بدخوله فيها، كما تقر عين المُحب بملابسته محبوبه، وتقر عين الخائف بدخوله في محل أمنِه، فقرة العين بالدخول في الشيء أكمل وأتم من قرة العين به قبل الدخول، ولما جاء إلى راحة القلب من تعبه، قال: ((يا بلال، أرحنا بالصلاة))؛ أي: أقمها؛ لنستريح بها من مقاساة الشواغل، كما يستريح التعبان إذا وصل إلى نُزله وقرَّ فيه، وتأمل كيف قال: ((أرحنا بها))، ولم يقل: أرحنا منها، كما يقول المتكلف بها الذي يفعلها تكلفًا وغرمًا؛ فالفرق بين مَن كانت الصلاة لحوائجه قيدًا، ولقلبه سجنًا، ولنفسه عائقًا، وبين مَن كانت الصلاة لقلبه نعيمًا، ولعينه قرة، ولحوائجه راحة، ولنفسه بستانًا ولذة.
ما كان من صواب فمن الله وحده وما كان من خطأ فمني ومن الشيطان ،سبحانك اللهم و بحمدك اشهد أن لاإله إلا أنت استغفرك وأتوب إليك




